السيد حيدر الآملي
23
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
التوحيد الحقيقي فطهارته لا يكون إلّا بهذه النيّة الّتي هي عبارة عن التوحيد الحقيقي النافي للشرك مطلقا ، لأنّه معلوم ، وبل مقرّر أنّ الخلاص من الشرك جليا كان أو خفيا لا يمكن إلّا بالتوحيد ألوهيّا كان ، أو وجوديّا كما سبق ذكره مفصّلا عند بحث الأصول . وغسل الوجه فيها عبارة عن طهارة الوجه الحقيقي ونظافة سرّه عن دنس التوجّه إلى الغير ، بحيث لا يشاهد غير وجهه الكريم المشار إليه في قوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] . ولا يعرف غير ذاته المحيط المومئ إليه في قوله : « واللّه بكلّ شيء محيط » ، وعن هذا التّوجّه أخبر من لسان إبراهيم عليه السّلام ، بقوله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الانعام : 79 ] . وغسل اليدين عبارة عن عدم الالتفات إلى ما في يديه من متاع الدّنيا والآخرة ، من الدّنيا كالمال والجاه والأهل والولد ، ومن الآخرة كالعلم والزّهد والطاعة وما يحصل منها كالثواب والجنّة والحور والقصور ، لأنّ رؤية الطّاعة والعبادة واستحقاق التعظيم بهما عند أهل اللّه معصية ، وفيه قيل : « سيّئة تسوؤك خير من حسنة تعجبك » [ نهج البلاغة : الحكمة 46 ] .